أحمد مصطفى المراغي
246
تفسير المراغي
وهذا الإجلال الذي ملك نفوس العرب من البيت الحرام ، إنما هو من تسخير رب البيت سبحانه ، وقد حفظ حرمته ، وزادها في نفوس العرب ردّ الحبشة عنه حين أرادوا هدمه ، وإهلاكهم قبل أن ينقضوا منه حجرا ، بل قبل أن يدنوا منه . ولو نزلت مكانة البيت من نفوس العرب ، ونقصت حرمته عندهم ، واستطالت الأيدي على سفّارهم لنفروا من تلك الرحلات ، فقلّت وسائل الكسب بينهم ، لأن أرضهم ليست بذات زرع ولا ضرع ، وما هم بأهل صناعة مشهورة يحتاج إليها الناس فيأتوهم وهم في عقر ديارهم ليأخذوا منها ، فكانت تضيق عليهم مسالك الأرزاق وتنقطع عنهم ينابيع الخيرات . ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ) الذي حماه من الحبشة وغيرهم ، ومكّن منزلته في النفوس ، وكان من الحق أن يفردوه بالتعظيم والإجلال . ثم وصف رب هذا البيت بقوله : ( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) أي إنه هو الذي أوسع لهم الرزق ، ومهد لهم سبله ، ولولاه لكانوا في جوع وضنك عيش . ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) أي وآمن طريقهم ، وأورثهم القبول عند الناس ، ومنع عنهم التعدي والتطاول إلى أموالهم وأنفسهم ، ولولاه لأخذهم الخوف من كل مكان فعاشوا في ضنك وجهد شديد . وإذا كانوا يعرفون أن هذا كله بفضل رب هذا البيت ، فلم يتوسلون إليه بتعظيم غيره ، وتوسيط سواه عنده ؟ مع أنه لا فضل لأحد ممن يوسطونه في شئ من النعمة التي هم فيها ، نعمة الأمن ونعمة الرزق : وكفاية الحاجة . اللهم ألهم قلوبنا الشكر على نعمك التي تترى علينا ، وزدنا بسطة في العلم والرزق .